تقرير بحث السيد كمال الحيدري لعلي حمود عبادي

140

شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية )

نعم ، الإنسان العالم يتصوّر أن علمه مطابق للواقع ، فيقول : الذي حركني هو الواقع الواصل لا الواقع على ما هو عليه . وبتعبير الميرزا : " إن العلم وحضور صورة الموجود الخارجي في النفس هو الموضوع والعلّة لتحقّق الإرادة التكوينية ؛ ضرورة استحالة الانبعاث أو الانزجار عن الموجود الخارجي ما لم يتّصف بصفة المعلومية ؛ بداهة أن العطشان لا يعقل تحرّكه نحو الماء الخارجي ما لم يعلم بوجوده بل ربما يموت عطشاً مع وجود الماء عنده ، كما أن الإنسان لا يفرّ عن الأسد الخارجي ما لم يعلم بوجوده ، ولو ترتّب على عدم الفرار افتراسه له ، وهذا بخلاف القاطع بوجود الماء أو الأسد فإنّه يتحرّك نحو الماء ويفرّ من الأسد وإن لم يكن هناك ماء أو أسد في الخارج وكان القطع غير مصيب للواقع . فتحصّل أن الموجب للحركة أو الهرب إنّما هو نفس صفة العلم ليس إلّا ، ولها موضوعية في تحقّق الإرادة من دون فرق بين أن يكون للصورة النفسانية واقع يطابقها أو لم يكن « 1 » . هذا في الأمور التكوينية ، أمّا في الأمور التشريعية فنقول : لو أنّ الله تعالى شرّع حكماً في لوح الواقع ، لكن هذا الحكم لم يصل إلى المكلّف ولا يعلم به ، فهل يعقل أن يتحرّك لامتثال هذا التكليف ؟ بناء على ما تقدّم في الأمور التكوينية ، يكون التحرّك إزاء هذا التكليف التشريعي غير المعلوم محالًا ؛ لأنّ المقتضي للتحرّك نحو امتثال التكليف هو التكليف المعلوم ، وعلى هذا فما لم يوجد مقتضٍ للمتحرّك كان العقاب على مخالفته عقاباً بلا مقتضٍ ، وهو قبيح من الحكيم عقلًا ، كما لو لم يكن حكم من المولى أصلًا . إذن المقتضي للعقاب هو التكليف الواصل لا مطلق التكليف ؛ ولذا نجد الميرزا يقيّد القاعدة دائماً بالقول : " قبح العقاب بلا بيان واصل . قال في الفوائد : " وما لم يصل [ الحكم ] لا عقاب عليه ، لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان

--> ( 1 ) أجود التقريرات : ج 2 ، ص 23 .